رئيس التحرير د.أحمد أبو غنيمة

الصيدلة عام 2050: رحلة من “صرف الدواء” إلى “هندسة الصحة”

الصيدلة عام 2050: رحلة من “صرف الدواء” إلى “هندسة الصحة”


إعداد وتقديم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
رئيس تحرير مجلة علوم الصيدلة

هل تخيلت يوماً أن تدخل صيدلية فلا تجد فيها رفوفاً مكدسة بعلب الدواء الملونة؟ هل تخيلت أن تخرج منها حاملاً حبة دواء واحدة فقط، طُبعت خصيصاً لك، تحتوي على علاج لضغط الدم والسكري والكوليسترول معاً، وبجرعات مفصلة على “مقاس” جيناتك بدقة متناهية؟
قد يبدو هذا المشهد ضرباً من الخيال العلمي، ولكن الحقيقة أننا نقف اليوم على أعتاب ثورة طبية ستغير وجه مهنة الصيدلة بحلول عام 2050، لتنقلنا من عصر “الدواء للجميع” (One Size Fits All) إلى عصر “الطب الدقيق والشخصي” (Precision Medicine).


نهاية عصر “العلبة الجاهزة”
في المستقبل القريب، ستتحول الصيدليات من مستودعات للتخزين والبيع إلى “معامل تكنولوجية متقدمة”. لن تعتمد شركات الدواء على خطوط الإنتاج التقليدية التي تضخ ملايين الأقراص بجرعات ثابتة. بدلاً من ذلك، ستتربع الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D Printing) على عرش الصناعة الدوائية. سيتمكن الصيدلاني من طباعة “حبة متعددة” (Polypill) داخل الصيدلية، مصممة حسب وزن المريض، عمره، ومعدل الأيض لديه، مما يرفع نسبة الامتثال الدوائي ويقلل الهدر العلاجي.
الخريطة الجينية هي “الوصفة” الجديدة
لن يصرف الدواء في عام 2050 بناءً على الأعراض الظاهرية فحسب. بفضل تطور علم الجينوم الدوائي (Pharmacogenomics)، سيصبح تحليل الحمض النووي (DNA) للمريض إجراءً روتينياً يسبق صرف أي وصفة. سيعرف الصيدلاني مسبقاً -وبيقين تام- ما إذا كان هذا الدواء فعالاً لهذا المريض تحديداً، أم أنه سيسبب آثاراً جانبية، مما يقضي تماماً على منهجية “التجربة والخطأ” في العلاج.
روبوتات تسبح في دمائنا!
ولعل القفزة الأكثر إثارة تكمن في تقنية النانو (Nanotechnology). نحن نتحدث عن “روبوتات مجهرية” (Nanobots) بحجم الخلية، يمكن حقنها في الجسم لتعمل كأجهزة توصيل ذكية، تحمل الدواء وتسبح به عبر الأوعية الدموية لتطلقه حصرياً داخل الخلايا المصابة (كالخلايا السرطانية) دون أن تمس الخلايا السليمة بسوء. إنه العلاج الجراحي المجهري بدون مشرط جراح!

الصيدلاني: الدور المتجدد

وسط هذه الأمواج المتلاطمة من التكنولوجيا، يبرز السؤال الوجودي: أين مكان الصيدلاني؟ وهل سيستبدله الذكاء الاصطناعي؟
الجواب هو: قطعاً لا. لكن دوره سيتغير جذرياً.
الروبوتات ستتولى المهام اللوجستية من تحضير وصرف وإدارة مخزون بدقة 100%. أما الصيدلاني البشري، فسيتحرر من عبء الروتين ليسمو بمهنته نحو “الإنسانية العالمة”. سيصبح الصيدلاني “مهندس بيانات صحية” ومستشاراً إكلينيكياً، يفسر للمريض بياناته الجينية، ويشرف على خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تتنبأ بالأزمات الصحية، ويقدم الدعم النفسي والتوجيه الذي لا تستطيع أي آلة تقديمه.
ختاماً..
إن عام 2050 ليس بعيداً كما نتصور، والمستقبل لا ينتظر المترددين، علينا كصيادلة ورواد في هذا القطاع أن نبدأ اليوم في احتضان هذه التقنيات، وتطوير مناهجنا التعليمية وتشريعاتنا النقابية لاستيعاب هذا الطوفان القادم من الابتكار.
مهنة الصيدلة لن تموت، لكنها ستولد من جديد.. بشكل أجمل، وأكثر دقة، وأكثر إنسانية.

“في 2050، ستتحرر الصيدلة من عبء الروتين اللوجستي، ليسمو الصيدلاني بمهنته نحو الإنسانية العالمة كمهندس للبيانات الصحية.”

Tags

Share this post:

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore
%d مدونون معجبون بهذه: