رئيس التحرير د.أحمد أبو غنيمة

الصيدلة الخضراء في الأردن: ردم الهوة بين الطموح المهني والواقع التشريعي

الصيدلة الخضراء في الأردن: ردم الهوة بين الطموح المهني والواقع التشريعي

نقلا عن صحيفة الرأي الاردنية

في عصرٍ أصبح فيه الحفاظ على البيئة جزءاً لا يتجزأ من الصحة العامة، سلطت دراسة علمية مرجعية صادرة عن الأوساط الأكاديمية الأردنية الضوء على الدور المحوري الذي يلعبه الصيادلة في مكافحة التلوث الدوائي. الدراسة، التي نُشرت مؤخراً في المجلة المرموقة للتعليم الطبي (BMC Medical Education) -المصنفة ضمن الربع الأول (Q1) في قواعد بيانات “سكوبس” وبمعامل تأثير (3.2)- تقدم أول تقييم شامل لممارسات “الصيدلة الخضراء” في الأردن. وجاء هذا البحث ثمرة تعاون بحثي رصين بين جامعة البترا وجامعة الشارقة، ليضع بين أيدي صانعي القرار، والتربويين، ومتخصصي الرعاية الصحية خارطة طريق هامة، كاشفاً عن واقع معقد حيث تتوافر الرغبة المهنية القوية لحماية البيئة، بينما تغيب البنية التحتية المنهجية اللازمة لتحويل تلك الرغبة إلى عمل ملموس.

يتجاوز مفهوم “الصيدلة الخضراء” مجرد صرف الأدوية؛ إذ يشمل دورة حياة الدواء بأكملها، مع تركيز خاص على تقليل البصمة البيئية للنفايات الصيدلانية. ويحمل هذا المفهوم أهمية قصوى لبلد مثل الأردن، حيث يعد الأمن المائي قضية أمن قومي، ويشكل تلوث المياه الجوفية بالمتبقيات الدوائية -بدءاً من المضادات الحيوية وصولاً إلى العلاجات الهرمونية- تهديداً خطيراً للنظم البيئية وصحة الإنسان. وللوقوف على موقع الأردن من هذا الحراك العالمي، استهدف الفريق البحثي 380 صيدلانياً مرخصاً يعملون في كل من المستشفيات وصيدليات المجتمع، موزعين على أقاليم المملكة الثلاثة (الشمال والوسط والجنوب). واعتمدت عملية جمع البيانات، التي استكملت في أغسطس 2025، على مسح دقيق ومحكّم لقياس المعرفة والمواقف والممارسات (KAP).

كشفت نتائج هذه الدراسة المحورية عن فجوة لافتة بين “المواقف والممارسات” تشخّص واقع المهنة حالياً في الأردن. فقد أظهر الصيادلة وعياً كبيراً بالتزامهم الأخلاقي والمهني تجاه البيئة، حيث سجلت الدراسة متوسطاً مرتفعاً جداً في معيار “المواقف” بلغ 4.4 من أصل 5، مما يشير إلى أن الصيادلة الأردنيين توّاقون للعب دور “المثقف الأول” حول التخلص الآمن من الأدوية، ومستعدون لدمج الاستدامة في ممارساتهم اليومية، رافضين فكرة أن حماية البيئة هي مسؤولية تقتصر على صانعي السياسات فقط. ولكن، عند النظر إلى السلوكيات الفعلية على أرض الواقع، تغيرت الصورة بشكل جذري؛ إذ انخفض متوسط درجة “الممارسة” إلى 2.9، مما يبرز انقطاعاً كبيراً بين النية والعمل. فبينما كانت الممارسات الفردية -مثل تقديم النصح لمريض حول كيفية رمي الدواء- شائعة نوعاً ما، كانت الممارسات المنهجية -مثل إدارة برامج استرداد الأدوية أو التعاون مع خدمات إدارة النفايات- شبه معدومة.

وفي معرض تعليقه على هذا التباين، يؤكد الدكتور ضرار بلعاوي، أستاذ العلاج الدوائي السريري في جامعة البترا، أن هذه النتائج لا ينبغي تفسيرها على أنها تقصير من الصيادلة أنفسهم. ويقول الدكتور بلعاوي: “ما تظهره هذه الدراسة عالية التأثير هو أن روح الصيدلي الأردني تواقة للتغيير، لكن البنية التحتية المتاحة هشة”. ويشير بلعاوي إلى أن الدراسة حددت العوائق التي تواجه الصيدلة الخضراء بوصفها عوائق “منهجية وتنظيمية” في المقام الأول وليست فردية. ويضيف: “لا يمكننا أن نتوقع من صيدلي المجتمع تطبيق برنامج لجمع النفايات الخطرة بمعزل عن المنظومة. البيانات تظهر بوضوح أنه في غياب المبادئ التوجيهية الوطنية، والدعم اللوجستي الواضح، والإطار القانوني الموحد، يُترك زملاؤنا دون الأدوات اللازمة لترجمة مواقفهم الإيجابية إلى حماية فعلية للبيئة”.

وبالفعل، تسلط الدراسة الضوء على حالة مقلقة من الارتباك التنظيمي؛ إذ أفاد 40.8% من الصيادلة المشاركين بعدم علمهم بوجود أي مبادئ توجيهية رسمية تتعلق بإدارة النفايات الصيدلانية في الأردن، وحتى أولئك الذين ادعوا المعرفة أشاروا غالباً إلى هيئات تنظيمية غير دقيقة. هذا الغموض التشريعي يخلق شللاً في الممارسة؛ فإذا كان الخبراء لا يعرفون القواعد، فكيف للجمهور أن يتلقى تعليماً صحيحاً؟ ويتفاقم هذا العجز المعرفي بسبب غياب التعليم الرسمي حول الموضوع، حيث وجدت الدراسة أن 66.3% من المستجيبين لم يتلقوا أي تدريب مسبق في مجال الصيدلة الخضراء أو الاستدامة. وهي نتيجة تستدعي مراجعة فورية للمناهج الجامعية وبرامج التطوير المهني المستمر(CPD).

قدم التحليل الإحصائي الذي أجرته الدراسة رؤية أعمق، حيث حدد أن “التدريب” كان أقوى عامل تنبؤ بامتلاك الصيدلي لمعرفة جيدة وممارسات سليمة. ومن المثير للاهتمام أن نوع مكان العمل كان مؤثراً أيضاً؛ حيث كان الصيادلة العاملون في “سلاسل الصيدليات” أكثر ميلاً للانخراط في ممارسات جيدة مقارنة بنظرائهم في الصيدليات المستقلة. ويشير هذا إلى أن الهيكل المؤسسي، والموارد، والبروتوكولات الموحدة المتاحة لسلاسل الصيدليات قد توفر مظلة تسمح بإدارة أفضل للنفايات، بينما يُترك الصيادلة المستقلون لمواجهة العقبات اللوجستية والمالية بمفردهم. ويثير هذا التفاوت أسئلة هامة حول العدالة في كيفية إنفاذ اللوائح البيئية ودعمها عبر مختلف نماذج الأعمال في القطاع الخاص.

وينوّه الدكتور بلعاوي بأن هذه الدراسة تعد بمثابة “نداء للعمل” موجه لنقابة صيادلة الأردن ووزارة الصحة. ومستشهدًا بتوصيات الدراسة، يعلق الدكتور بلعاوي قائلاً: “نحن أمام لحظة فارقة. تؤكد البيانات المنشورة بالتعاون مع جامعة الشارقة أننا لسنا بحاجة لإقناع الصيادلة بأهمية البيئة -فهم يؤمنون بذلك بالفعل-. بدلاً من ذلك، نحن بحاجة إلى نهج (من الأعلى إلى الأسفل)”. ويدعو بلعاوي إلى دمج مساقات الصيدلة الخضراء ضمن نقاط التطوير المهني المستمر الإلزامية لتجديد الترخيص، ويقترح أن يكون تطوير “برنامج وطني لاسترداد الأدوية” أولوية حكومية قصوى. مثل هذا البرنامج لن يوفر فقط وسيلة تخلص آمنة للأطنان من الأدوية غير المستخدمة في المنازل الأردنية، بل سيمكّن الصيادلة أيضاً من أداء دورهم الحقيقي كأمناء على السلامة الدوائية.

أما بالنسبة للجمهور الأردني، فإن الآثار المترتبة على ذلك لا تقل أهمية. فقد أظهرت الدراسة أن الصيادلة يرون أنفسهم كمعلمين للمرضى بنسبة (92.1%)، ومع ذلك يفتقرون إلى المواد والدعم المنهجي للقيام بهذا الدور. بالنسبة للشخص العادي، هذا يعني أن العادة الحالية -والمتمثلة غالباً في إلقاء بقايا المضادات الحيوية أو الأشربة في القمامة أو سكبها في الصرف الصحي- ستظل هي السائدة، مما يساهم في الأزمة الصامتة لمقاومة مضادات الميكروبات (AMR) والسمية البيئية. وما لم يتم إزالة الحواجز المنهجية التي حددتها هذه الورقة البحثية، فإن النصائح التي يتلقاها المرضى ستظل على الأرجح غير متسقة.

ختاماً، يعد هذا البحث علامة فارقة للتعليم الطبي والصحة البيئية في الشرق الأوسط. إنه ينقل النقاش من مجرد مخاوف غامضة حول التلوث إلى أدلة تجريبية دامغة حول مدى جاهزية القوى العاملة لمكافحته. ومن خلال نشر هذه النتائج في مجلة بوزن (BMC Medical Education)، وضع الباحثون تحديات الأردن -وحلولها المحتملة- على الساحة العالمية. وكما أوضح الدكتور بلعاوي وزملاؤه، فإن الطريق إلى الأمام واضح: إنه يتطلب مواءمة بين السياسات الصحية والبيئية، وتحديثاً للتعليم الصيدلاني، والشجاعة للاستثمار في البنية التحتية اللازمة للحفاظ على أرض ومياه الأردن آمنة للأجيال القادمة. الصيادلة مستعدون؛ وقد حان الوقت لكي تلحق المنظومة بركبهم.

Tags

Share this post:

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore