













مرتبط
د. ضرار بلعاوي: قرار منع صرف المضادات الحيوية: بين الضرورة العلمية الصارمة والواقعية السريرية – رؤية نقدية من قلب الميدان

يقف مجتمع الرعاية الصحية العالمي اليوم على شفا مرحلة “ما بعد المضادات الحيوية”، وهو واقع مرعب قد تعود فيه العدوى البسيطة لتصبح قاتلة مرة أخرى. ونحن في الأردن لسنا بمنأى عن هذا التهديد؛ بل إننا، وللأسف، نتواجد غالباً في بؤرة أزمة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية (AMR) في المنطقة. بصفتي أستاذاً للعلاج الدوائي السريري في الأمراض المُعدية بجامعة البترا وعضواً في اللجنة الوطنية لترشيد استخدام المضادات الحيوية التابعة لوزارة الصحة (AMS)، قضيت سنواتٍ في تحليل المشهد الميكروبيولوجي الدقيق في بلادنا. وانطلاقاً من هذا الثقل العلمي والمسؤولية الوطنية، أتوجه برسالتي هذه لمناقشة القرار الأخير والمثير للجدل الصادر عن المؤسسة العامة للغذاء والدواء (JFDA)، والذي يقضي بمنع صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية، مع اشتراط وجود فحص زراعة جرثومية واختبار حساسية (Culture & Sensitivity) لإثبات فاعلية الدواء الموصوف. وبينما أدعم وبقوة جوهر هذا القرار والحاجة الملحة لكبح جماح الاستخدام العشوائي للمضادات في الأردن، إلا أنه يتوجب علينا إجراء تقييم نقدي للجدوى السريرية، والاقتصادية، واللوجستية لربط كل وصفة مضاد حيوي بنتيجة زراعة مخبرية.

لفهم سبب النظر في مثل هذه التدابير الصارمة، يجب أن ننظر إلى الأدلة العلمية. لقد نشرتُ أنا وزملائي الباحثون دراسات مستفيضة حول معدلات المقاومة البكتيرية المثيرة للقلق في الأردن. لقد وثقنا معدلات انتشار عالية للبكتيريا المفرزة لإنزيمات “بيتا لاكتاماز” واسعة الطيف (ESBL) وللمكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA) في كل من المستشفيات والمجتمع. نحن نواجه ثقافة “تطبيب ذاتي” حيث يُنظر للمضادات الحيوية على أنها ترياق لكل داء، من الزكام العادي إلى التعب البسيط. إن سهولة وصول الجمهور إلى المضادات الحيوية واسعة الطيف دون رقابة مهنية قد سارعت من الضغط التطوري على البكتيريا، مما أفقد العديد من أدوية “ملاذنا الأخير” فاعليتها. لذلك، فإن تحرك الغذاء والدواء لتضييق الخناق على الصرف العشوائي هو إجراء يستحق الثناء وضروري للأمن الصحي الوطني. ومع ذلك، يجب أن تصمد السياسات عند تطبيقها على أرض الواقع، واشتراط تقرير الزراعة والحساسية لكل عملية صرف يثير مخاوف علمية وعملية جوهرية يجب معالجتها لضمان ألا تصبح سلامة المرضى ضحية جانبية في حربنا ضد مقاومة البكتيريا.
أولاً، يجب علينا التمييز بوضوح بين الفروق السريرية في إعدادات الرعاية الصحية الأولية وصيدليات المجتمع من جهة، والرعاية الثانوية (المستشفيات) من جهة أخرى. في بيئة المستشفى، وتحديداً داخل أقسام الطوارئ (A&E) ووحدات العناية الحثيثة (ICU)، تكون العملية العلاجية حرجة وتتوقف على عنصر الوقت. إن القرار المقترح، إذا تم تفسيره بجمود، يتعارض مع المبادئ الأساسية لطب الطوارئ، وهو: “العلاج التجريبي” (Empirical Therapy). عندما يحضر مريض يعاني من تسمم الدم (Sepsis) أو التهاب رئوي حاد، فإن انتظار تقرير الزراعة – الذي يستغرق عادةً من 48 إلى 72 ساعة – هو بمثابة حكم بالإعدام. تملي المبادئ التوجيهية السريرية الحالية سحب العينات للزراعة فوراً ولكن مع البدء المباشر بمضادات حيوية واسعة الطيف بناءً على مسببات الأمراض المحتملة وبيانات الحساسية المحلية. وبمجرد ظهور نتائج الزراعة، نقوم بتعديل العلاج إلى دواء موجه (De-escalation). هذا هو المعيار الذهبي للإشراف على المضادات الحيوية. إذا أعاق النظام الجديد صرف المضادات التجريبية في المستشفيات من خلال طلب نتيجة الزراعة “قبل” الصرف، فإننا نخاطر بشل سير العمل في الرعاية الحرجة، مما يؤدي إلى زيادة الوفيات. يجب أن توضح اللوائح صراحة استثناء الجرعات التجريبية الأولية في حالات الرعاية الحادة، والاعتماد بدلاً من ذلك على التشخيص السريري والمبادئ التوجيهية الوطنية حتى تؤكد المختبرات نوع الجرثومة.
يمتد هذا القلق ليشمل الفئات الهشة في المجتمع. لنأخذ بعين الاعتبار كبار السن، والأطفال، ومرضى ضعف المناعة المعرضين لتدهور صحي سريع. إذا حضر مريض سكري يعاني من علامات التهاب النسيج الخلوي (Cellulitis)، أو طفل يعاني من حمى شديدة وعلامات التهاب الأذن الوسطى الحاد، فإن نافذة التدخل تكون ضيقة. في الممارسة المجتمعية، غالباً ما تكون التشخيصات سريرية (إكلينيكية). إن اشتراط فحص زراعة لكل حالة يشتبه فيها بوجود عدوى بكتيرية هو أمر غير عملي سريرياً للحالات التي يكون فيها المسبب معروفاً وتوقعياً، والعلاج بالخط الأول راسخاً ومعروفاً. لا يمكننا أن نطلب من أمٍ الانتظار ثلاثة أيام للحصول على نتيجة مسحة الحلق بينما يعاني طفلها من التهاب البلعوم العقدي، ولا يمكننا تأخير علاج مريض مسن يعاني من التهاب المسالك البولية حتى تؤكد الزراعة وجود بكتيريا “الإيكولاي”. مثل هذا التأخير يمنع الرعاية الفعالة، مما يدفع بحالات عدوى بسيطة يمكن إدارتها مجتمعياً إلى حالات تستدعي الإدخال للمستشفيات. يجب أن نسأل أنفسنا ما إذا كان النظام مصمماً لتسهيل العلاج أم عرقلته. بينما الهدف هو وقف الوصف غير الضروري، فإن الحواجز التي تؤخر العلاج اللازم للفئات الضعيفة هي نتيجة سلبية غير مقصودة يجب التخفيف منها من خلال استثناءات للتشخيصات الواضحة سريرياً.
علاوة على ذلك، لا يمكننا تجاهل التداعيات الاقتصادية لهذا القرار على المواطن الأردني العادي. يعتمد جزء كبير من سكاننا على القطاع الخاص المتشرذم أو يفتقرون للتأمين الصحي. من خلال الربط القانوني لوصفات المضادات الحيوية بفحوصات الزراعة، فإننا نضاعف تكلفة “نوبة المرض” الواحدة ثلاث مرات. يجب على المريض أن يدفع مقابل استشارة الطبيب، ثم تكاليف المختبر للزراعة واختبار الحساسية، وأخيراً ثمن الدواء نفسه. بالنسبة لعامل المياومة أو الأسرة ذات الدخل المحدود، فإن هذا العبء المالي الإضافي يعتبر تعجيزياً. والنتيجة السلوكية المرجحة لن تكون تحسين إدارة المضادات الحيوية، بل تجنب النظام الصحي تماماً حتى تصبح الحالة حرجة، أو البحث عن الدواء عبر قنوات غير مشروعة. يجب أن تتماشى سياسات الصحة العامة دائماً مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي. إذا كان طلبنا قائماً على الأدلة عبر زراعات إلزامية، فيجب على الدولة النظر في دعم هذه الفحوصات التشخيصية؛ وإلا، فإننا نخلق نظاماً صحياً تصبح فيه السلامة رفاهية لا يقدر عليها إلا الميسورون.
من الضروري أيضاً تصحيح السردية التي تلقي باللوم في هذه الأزمة بالكامل على الصيادلة الذين يصرفون الأدوية في صيدليات المجتمع. إن مشكلة الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية في الأردن هي مشكلة جهازية ومتعددة التخصصات. تشير أبحاثي، إلى جانب البيانات الوطنية، إلى أن الأطباء من مختلف التخصصات يساهمون بشكل كبير في مقاومة الميكروبات من خلال الوصف غير الرشيد. من الشائع رؤية وصفات لمضادات حيوية قوية واسعة الطيف (مثل “الفلوروكوينولونز” التنفسية أو الجيل الثالث من “السيفالوسبورينات”) لعلاج التهابات الجهاز التنفسي العلوي الفيروسية، لمجرد إرضاء توقعات المريض أو بسبب عدم الالتزام بالإرشادات العلاجية. إن تنظيم “الصارف للدواء” وتجاهل “واصف الدواء” هو حل منقوص. إذا وصف الطبيب مضاداً حيوياً دون مبرر سريري أو زراعة، ورفَضَ الدكتور الصيدلي صرفه بناءً على قرار الغذاء والدواء الجديد، فإننا نضع الدكتور الصيدلي في منطقة نزاع. نحن بحاجة إلى تنظيم شمولي يُخضع الأطباء للمساءلة عن عادات وصف الأدوية بصرامة كما يُخضع الصيادلة للمساءلة عن الصرف. يجب أن يستهدف التعليم وإنفاذ المبادئ التوجيهية عيادات الأطباء بقوة مماثلة لاستهدافه صيدليات المجتمع.
وفي هذا السياق، يجب علينا أيضاً إعادة تقييم وتعزيز دور الدكتور الصيدلي. تاريخياً في الأردن، كان صيدلي المجتمع هو مقدم الرعاية الصحية الأسهل وصولاً، حيث يعمل كنقطة فرز أولي و”صمام أمان”. يتدخل الصيادلة يومياً لتصحيح الجرعات، وتحديد التفاعلات الدوائية، وبالفعل، إيقاف استخدام المضادات الحيوية غير الضرورية عندما يرفضون صرفها للحالات الفيروسية أو غير المناسبة. بدلاً من تجريدهم من صلاحياتهم، يجب أن ننظر إلى النماذج الدولية للإلهام. في المملكة المتحدة وكندا، تطور الصيادلة ليصبحوا “واصفين مستقلين” لبعض الأمراض البسيطة. يتم تدريبهم وترخيصهم لتشخيص التهابات المسالك البولية غير المعقدة أو التهابات الحلق العقدية باستخدام أنظمة التقييم السريري (مثل معايير Centor) واختبارات الرعاية الفورية، وصرف المضادات الحيوية عند استيفاء معايير صارمة. هذا النموذج يحسن الوصول إلى الرعاية مع الحفاظ على معايير إشراف صارمة. إذا أردنا حل أزمة مقاومة الميكروبات في الأردن، فيجب أن نمكّن صيادلتنا بالتدريب والشهادات لإدارة عدوى محددة وفقاً للبروتوكولات الوطنية، وتحويلهم من مجرد “صارفين” إلى ممارسين سريريين نشطين يعملون على تحسين العلاج بالمضادات الحيوية.
إن التحسين المنهجي للقرار الحالي للمؤسسة العامة للغذاء والدواء يكمن في تطبيق “نموذج المخاطر الطبقي” بدلاً من الحظر الشامل. ينبغي لنا تبنّي تصنيف المضادات الحيوية وفقاً لتصنيف منظمة الصحة العالمية (AWaRe) إلى مجموعات: “الإتاحة” (Access)، “المراقبة” (Watch)، و”الاحتياط” (Reserve). يمكن صرف مضادات “الإتاحة”، مثل الأموكسيسيلين، بوصفة طبية سارية بناءً على التشخيص السريري دون زراعة إلزامية، وتحديداً لحالات مثل التهاب الأذن الوسطى الحاد أو التهاب الجيوب الأنفية البكتيري حيث يكون العلاج التجريبي هو المعيار. ومع ذلك، يجب أن تخضع مضادات “المراقبة” و”الاحتياط” – مثل الكاربابينيمات، والفانكومايسين، أو الأجيال الحديثة من الكينولونات – لشرط وجود تقرير زراعة وحساسية، وربما حتى موافقة أخصائي أمراض معدية قبل صرفها، سواء في المجتمع أو المستشفيات. هذا النهج الدقيق سيحمي أدويتنا الأكثر أهمية من سوء الاستخدام مع السماح للنظام الصحي بالعمل بكفاءة لحالات العدوى الشائعة ومنخفضة المخاطر.
علاوة على ذلك، فإن الإطار الزمني لعلم الأحياء الدقيقة هو قيد يجب الاعتراف به. الزراعة التقليدية تستغرق وقتاً. ولكن التكنولوجيا تتطور. لجعل شرط الدليل التشخيصي ممكناً، يجب أن يستثمر الأردن في الاختبارات التشخيصية السريعة (RDTs). إذا تم تجهيز العيادات والصيدليات باختبارات المستضدات السريعة لبكتيريا “الستربتوكوكس” (Group A Strep) أو أدوات تحليل البول السريعة المعتمدة رسمياً، يمكننا تلبية الحاجة إلى إثبات تشخيصي دون تأخير لمدة ثلاثة أيام. وبالتالي، يجب تعديل اللائحة لقبول “التشخيص السريري الموثق أو نتائج الاختبارات التشخيصية السريعة” كبدائل صالحة للزراعة الكاملة في حالات العدوى الخارجية غير المعقدة. هذا يحقق التوازن بين الصرامة العلمية والجدوى التشغيلية.
أخيراً، لن ينجح أي تنظيم دون حملة تعليمية ضخمة ومستدامة. غالباً ما يأتي الضغط لصرف المضادات الحيوية من الجمهور. نحن بحاجة إلى تحول ثقافي يدرك فيه المواطن الأردني أن المضادات الحيوية ليست خافضات حرارة وأن طلب الفحص هو لحمايته وليس عقبة بيروقراطية. في الوقت نفسه، يجب أن يكون التطوير المهني المستمر (CPD) فيما يتعلق بالإشراف على المضادات الحيوية إلزامياً لتجديد الترخيص لكل من الأطباء والصيادلة. نحتاج إلى إنشاء نظام سجل صحي إلكتروني موحد يتتبع وصف المضادات الحيوية وأنماط المقاومة في الوقت الفعلي، مما يسمح لوزارة الصحة بالتدخل بناءً على البيانات بدلاً من السياسات الشمولية الصماء.
ختاماً، يعد قرار المؤسسة العامة للغذاء والدواء (JFDA) بمثابة جرس إنذار قوي ودليل على خطورة أزمة مقاومة الميكروبات في الأردن. بصفتي باحثاً وأكاديمياً سريرياً، أحيي النية الرامية لحماية ترسانتنا العلاجية. ومع ذلك، يجب ترويض الصرامة العلمية بالبراغماتية السريرية. لا يمكننا السماح لمطلب بيروقراطي بانتظار نتائج الزراعة بأن يؤخر العلاج المنقذ للحياة للفئات الضعيفة، أو يثقل كاهل أقسام الطوارئ لدينا، أو يسحق المرضى غير المؤمن عليهم مالياً. من خلال التمييز بين البروتوكولات التجريبية في المستشفيات والممارسة المجتمعية، والاعتراف بالمسؤولية المشتركة للأطباء والصيادلة، واعتماد نهج طبقي لتقييد المضادات، يمكننا صياغة سياسة فعالة وإنسانية في آن واحد. الهدف هو وقف المقاومة البكتيرية، وليس وقف العلاج. نحن نمتلك الخبرة في الأردن لقيادة المنطقة في مجال الإشراف على المضادات الحيوية (AMS)؛ دعونا نضمن أن تعكس لوائحنا التطور والشمولية المطلوبة لخوض هذه الحرب البيولوجية بفعالية.












