













مرتبط
- دراسة ترصد واقع صرف ‘الكورتيزون’: التزام بسلامة الرُّضَّع وتفاوت في الممارسات التجميلية

- بلعاوي يوصي بتعزيز الدور التشخيصي للدكتور الصيدلاني في الأمراض الجلدية
في إصدار بارز من شأنه أن يعيد تشكيل الحوار الدائر حول الرعاية الصحية المجتمعية في الأردن، ألقت دراسة وطنية رائدة نُشرت في فبراير 2026، في المجلة الدولية المرموقة “Pharmacy” ضوءاً كاشفاً على واقع الرعاية الجلدية في المملكة. هذا البحث الموسع، الذي يحمل عنوان “من الاستخدام التجميلي الخاطئ إلى سوء الإدارة السريرية”، يغوص في عمق الممارسات اليومية لصيادلة المجتمع، مقدماً مرآة عاكسة لمهنة تقف كخط الدفاع الأول للصحة العامة. وقد قاد الدراسة فريق من الباحثين من جامعة البترا، وجامعة الكويت، وجامعة الإسراء، وجامعة الشارقة، وجامعة فيلادلفيا، لتقديم تدقيق غير مسبوق لكيفية صرف وإدارة الستيرويدات القشرية الموضعية (Topical Corticosteroids) في جميع أنحاء الأردن. وفي حين تكشف النتائج عن تحديات كبيرة تتعلق بسوء الاستخدام للأغراض التجميلية ودقة التشخيص، فإنها تبرز في الوقت ذاته الدور الذي لا غنى عنه للدكتور الصيدلي كحارس لسلامة المرضى، لا سيما للفئات الأكثر ضعفاً.
تمحور الهدف الأسمى لهذا البحث حول تقييم “الإشراف والرقابة الدوائية” التي يمارسها صيادلة المجتمع عند التعامل مع طلبات الستيرويدات القشرية الموضعية. تُعد هذه الأدوية حجر الزاوية في علاج الالتهابات الجلدية، إلا أنها تمتلك مؤشراً علاجياً ضيقاً (نطاق أمان محدود)؛ إذ يمكن أن يؤدي سوء استخدامها إلى ضمور الجلد، وتثبيط الهرمونات، ومخاطر جهازية أخرى. واستخدمت الدراسة منهجية “المريض التمثيلي” (Simulated Patient) التي تُعد المعيار الذهبي لضمان أن النتائج تعكس الممارسة الفعلية على أرض الواقع بدلاً من المعرفة النظرية المجردة. وعلى مدار اثني عشر أسبوعاً، أرسل الباحثون متسوقين سريّين لإجراء 1520 زيارة سرّية إلى 380 صيدلية تم اختيارها عشوائياً في مناطق الوسط والشمال والجنوب من الأردن. وقد حاكت هذه الزيارات أربعة سيناريوهات سريرية متميزة تراوحت بين الطلبات التجميلية عالية المخاطر إلى رعاية الأطفال العاجلة، مما وفر رؤية بانورامية لعمليات اتخاذ القرار التي تجري خلف طاولة الصيدلية.
ترسم نتائج هذا الاستقصاء صورة معقدة لمهنة تمر بمرحلة انتقالية، وتكشف عن تسلسل هرمي واضح للسلامة حيث تتصارع رفاهية المريض غالباً مع الضغوط التجارية. وفي مشهد يبعث على الاطمئنان ويظهر اليقظة المهنية، وجدت الدراسة أن الصيادلة الأردنيين يظهرون حماية عالية للرضع. فعند مواجهتهم بطلب للحصول على ستيرويد قوي لعلاج طفح الحفاض لرضيع يبلغ من العمر ستة أشهر – وهو سيناريو محفوف بمخاطر صحية جهازية – رفض 82.1% من الصيادلة صرف الدواء بشكل قاطع، وغالباً ما قاموا بتوجيه “الوالد” لمراجعة طبيب الأطفال. ويقف هذا الإحصاء شاهداً على الأساس الأخلاقي المتين للقوى العاملة الصيدلانية الأردنية، ويثبت أنه عندما يكون خطر الأذى المباشر على طفل ضعيف واضحاً، فإن الدكتور الصيدلي يتصرف بفاعلية كحاجز أمان أساسي.
ومع ذلك، كشفت الدراسة أيضاً عن “وباء خفي” يتعلق بالاستخدام النمطي لهذه الأدوية القوية لأغراض تجميلية ونمط حياة. ففي تباين صارخ مع سيناريو الأطفال، انهارت معايير الرقابة الدوائية عندما تحول السياق إلى التبييض التجميلي. حيث اكتشف الباحثون أن 70% من الصيادلة قاموا بصرف ستيرويدات قوية لتبييض بشرة الوجه، وهي ممارسة غير مبررة طبياً وخطيرة سريرياً. والأكثر إثارة للقلق كانت النتيجة التي أشارت إلى أن أكثر من ربع الصيادلة الذين تمت زيارتهم عرضوا تطوعاً تحضير خلطات ستيرويدية تُعرف محلياً بـ “الخلطات”. يكشف هذا التفاوت المحدد عن فجوة حرجة حيث يتم تجاوز الحكم السريري لبعض الممارسين بسبب الطلب المجتمعي للحصول على بشرة أفتح، مما يشير إلى أنه ورغم وجود المعرفة السريرية، فإن البيئة التجارية يمكن أن تقوض أحياناً الالتزام بالمبادئ التوجيهية.
وفي معرض تعليقه على هذه النتائج، أكد الدكتور ضرار بلعاوي، المؤلف الرئيس للدراسة وأستاذ العلاج الدوائي السريري في جامعة البترا الأردنية، أن هذه النتائج لا ينبغي النظر إليها مجرد نقد، بل كخارطة طريق لتطوير المهنة. وأوضح الدكتور بلعاوي أن الدراسة تسلط الضوء على فجوة جوهرية بين الكفاءة والأداء؛ فالدكتور الصيدلي نفسه الذي يحمي الرضيع بصرامة من احتمالية تثبيط الغدة الكظرية قد يرضخ لضغط المريض في سيناريو تجميلي، مما يشير إلى أن القضية ليست بالضرورة نقصاً في المعرفة، بل حاجة إلى تمكين مهني أقوى ودعم تنظيمي لمقاومة طلبات المستهلكين لمنتجات “التجميل” التي هي في الواقع أدوية خطرة. وشدد الدكتور بلعاوي أيضاً على أن الاستعداد للصرف بدون وصفة طبية للأغراض التجميلية يخلق بيئة يمكن أن تنتشر فيها الأمراض علاجية المنشأ، مثل “الوردية الستيرويدية” (steroid rosacea)، دون رادع.
وبعيداً عن الجوانب التجميلية، حددت الدراسة عقبات كبيرة أمام المسؤوليات التشخيصية لصيادلة المجتمع. ففي السيناريوهات التي تنطوي على حَب الشباب والالتهابات الفطرية، أظهر البحث أن الفحص البصري – وهو الأداة الأساسية للتقييم الجلدي – قد تم تجاهله بشكل متكرر. ففي سيناريو العدوى الفطرية، فشل 60% من الصيادلة في إجراء معاينة بصرية للآفة الجلدية، مما أدى إلى نسبة خطأ في صرف الستيرويد غير المناسب بلغت 40%. هذا الأمر ذو أهمية سريرية بالغة لأن علاج العدوى الفطرية بالستيرويد يمكن أن يسبب حالة “سعفة متخفية” (tinea incognito)، مما يخفي الأعراض بينما تتفاقم العدوى. وبالمثل، في سيناريو حب الشباب، قام أكثر من نصف الصيادلة بصرف ستيرويدات مضادة للاستطباب (contraindicated) مما قد يؤدي إلى تفاقم الحالة. وقد علق الدكتور بلعاوي بأن هذه العثرات السريرية تؤكد الحاجة الملحة لتعزيز التدريب التشخيصي، وتشجيع الصيادلة على الخروج من خلف الطاولة والمشاركة في أخذ التاريخ المرضي الشامل والتقييم الجسدي قبل اللجوء إلى صرف أي منتج.
وبشكل حاسم، تقدم الدراسة دليلاً دامغاً على قيمة التعليم السريري المتقدم. فقد كان أحد أهم المؤشرات للتنبؤ بالممارسة الصحيحة هو الخلفية التعليمية للدكتور الصيدلي؛ إذ كشفت البيانات أن الصيادلة الحاصلين على درجة دكتور صيدلة (PharmD) أو درجة الماجستير كانوا أكثر التزاماً بمبادئ الرقابة والإشراف العلاجي بشكل ملحوظ مقارنة بأولئك الحاصلين على درجة البكالوريوس فقط. هذه النتيجة تؤكد صحة التحول الاستراتيجي في التعليم الصيدلاني الأردني على مدى العقد الماضي نحو مناهج أكثر سريرية وتتمحور حول المريض. وعلاوة على ذلك، وجدت الدراسة أن الصيادلة العاملين في صيدليات السلاسل كانوا أكثر عرضة بمرتين لاتباع إرشادات السلامة مقارنة بالصيدليات المستقلة، ويُعزى ذلك غالباً إلى الحوكمة المؤسسية المنظمة وأنظمة التدقيق الصارمة التي تترك مجالاً أضيق للممارسات غير الرسمية أو غير الآمنة.
إن التوصيات المنبثقة عن هذا البحث واضحة وملحة. ثمة حاجة ماسة لبرامج التعليم المستمر التي لا تركز فقط على علم الأدوية، بل على الجوانب العملية للتشخيص التفريقي والأدوات النفسية اللازمة لرفض طلبات المرضى غير المناسبة. وتدعو الدراسة إلى حملة تنظيمية أكثر صرامة ضد ثقافة “الخلطات”، وتطالب في الوقت نفسه بإصلاحات هيكلية لتقليل عبء العمل على الدكتور الصيدلي، حيث تم تحديد حجم الوصفات الطبية الكبير كعائق رئيس أمام الممارسة الآمنة. وأشار الدكتور بلعاوي إلى أنه عندما يمارس الدكتور الصيدلي دوره كممارس سريري حقيقي – يأخذ التاريخ المرضي، ويقيم المريض، ويقدم نصائح قائمة على الأدلة – فإنه يتحول من مجرد صارف للأدوية إلى مقدم رعاية أولية حيوي. وتثبت هذه الدراسة أن صيادلة الأردن يملكون القدرة على حماية الصحة العامة، كما يتضح من رعايتهم الممتازة للأطفال؛ ويتمثل التحدي الآن في توسيع هذا المستوى من الدقة والصرامة ليشمل كل مريض يدخل الصيدلية، لضمان بقاء المهنة منارة للسلامة والتميز السريري.














