رئيس التحرير د.أحمد أبو غنيمة

الإجهاد المزمن وحدود التحمّل البيولوجي لدماغ الإنسان

الإجهاد المزمن وحدود التحمّل البيولوجي لدماغ الإنسان

بقلم : د. هالة أبو معمر
صيدلانية ومعلمة طبية .

منذ الخليقة والإنسان في صراع مع الموت أو البقاء ، وكأن الأصل في هذه الحياة هو الألم ومجابهة الصعاب، ومن يستطيع التكيف هو من يبقى، وإلا فعليه الفناء وانتهاء الأمر بإنقراضه. وبالنسبة للإنسان فهو الكائن الأعلى والأكثر تطورًا مع بيئته، ومع التعب والإجهاد المستمر تحدّى الإنسان الأعاصير وثوران البراكين والأمراض المعدية والجوائح، وابتكر الحلول للتكيف مع هذه التحديات على امتداد الأزمنة. واستطاع أن يبني الحضارات بفعل دماغه، والجزء الذي جعله مكرّمًا من هذا الدماغ وهو العقل؛ فابتكر المنازل وطرق تحلية المياه، واكتشف النار وجفف الطعام لتخزينه، ثم لاحقًا اكتشف وسائل الحفظ الحديثة مثل الثلاجات والفريزرات، كما اكتشف الأدوية والمطاعيم والمضادات الحيوية والإنسولين، وطوّر المستشفيات والأدوات الطبية ووسائل النقل من السيارات إلى الطائرات، وكان كل إنتاج الإنسان السوي على هذا الكوكب هو التطوير والتحسين وصنع الحضارة، ولكن كل هذا التطور والحداثه والإهتمام بأدق التفاصيل حتى بالوصول الى العلوم الجزيئية الدقيقية وعلوم الأعصاب والدماغ الحديثه إلى أنه مازال تحت تهديد البقاء واللعب في صراع الحياه او الموت .
وعبر هذا المسار الطويل مرّ الإنسان بمراحل تاريخية متعاقبة؛ من عصور ما قبل التاريخ حيث كان يعيش في مواجهة مباشرة مع الطبيعة، إلى الحضارات القديمة التي شهدت ظهور الزراعة والكتابة وبناء المدن، ثم العصور الوسطى بما حملته من أوبئة وصراعات وتراكم معرفي، تلتها عصور النهضة والثورة العلمية، ثم العصر الصناعي، وصولًا إلى العصر العلمي والتكنولوجي الحديث وهكذا انتقل الإنسان عبر آلاف السنين من صراع مع الطبيعة إلى بناء حضارات متقدمة، غير أن التحديات لم تختفِ بل تغيّر شكلها؛ فبعد أن كان الخطر خارجيًا، أصبح الإنسان في العصر الحديث يواجه نوعًا آخر من الصراع يتمثل في الضغوط النفسية المتزايدة والإجهاد المزمن، وهو ما يثير تساؤلات علمية حول حدود قدرة الدماغ البشري على التكيف مع هذه الضغوط وتأثيرها على بنيته ووظائفه والتفكير المنطقي الأعلى الذي يميز دماغ الإنسان عن غيره .
بعد هذا السياق التاريخي والإنساني، يمكن فهم الإجهاد النفسي من منظور علم الأعصاب بوصفه استجابة بيولوجية معقدة ينظمها الدماغ بهدف الحفاظ على بقاء الإنسان وتكيفه مع التهديدات. فعند تعرض الفرد لضغط نفسي أو بيئي، ينشط الوطاء – ((Hypothalamus – بوصفه مركز التحكم في الاستجابة للتوتر، حيث يطلق الهرمون المطلق للكورتيكوتروبين (CRH ) – لذي يحفّز الغدة النخامية لإفراز – – ACTH والذي بدورة يحفز الغده الكظرية لإفراز هرمونات التوتر وعلى رأسها الكورتيزول . يُعرف هذا المسار بمحور – (Hypothalamic–Pituitary–Adrenal Axis)
وهو يمثل أحد أهم الأنظمة الفسيولوجية المسؤولة عن تنظيم الاستجابة للإجهاد.

في الظروف الطبيعية تكون هذه الاستجابة حادة ومؤقتة، حيث يؤدي ارتفاع الكورتيزول والأدرينالين إلى زيادة اليقظة والانتباه، وتسريع نبضات القلب، وتحفيز استهلاك الطاقة، وهي آلية تكيفية قديمة عُرفت في علم الفسيولوجيا باسم استجابة القتال أو الهروب او الكر والفر ، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يصبح التعرض للضغط النفسي مستمرًا وطويل الأمد، حيث يفشل النظام العصبي الهرموني في العودة إلى حالة التوازن .
مع استمرار تنشيط المحور – HPA وارتفاع مستويات الكورتيزول لفترات طويلة، تبدأ التأثيرات بالظهور على البنية التشريحية للدماغ فقد أظهرت دراسات التصوير العصبي أن التعرض المزمن لهرمونات التوتر يرتبط بحدوث تغيرات في مناطق دماغية رئيسية، أبرزها الحُصين وهذا الجزء من الدماغ المسؤول عن الذاكره والتعلم ، حيث يؤدي الإجهاد المزمن إلى ضعف تكون الخلايا العصبية وتراجع منطقة التعلم وهي الحصين .

كما لوحظ زيادة نشاط اللوزة الدماغية – Amygdala
المرتبطة بمعالجة الخوف والانفعالات، في حين تتأثر القشرة الجبهية الأمامية التي تلعب دورًا أساسيًا في الوظائف التنفيذية مثل اتخاذ القرار وتنظيم السلوك.
هذه التغيرات التشريحية تنعكس بدورها على الوظائف الفسيولوجية للدماغ، حيث يحدث اضطراب في تنظيم الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين والنورأدرينالين، إضافة إلى خلل في آليات تنظيم الهرمونات والالتهاب العصبي ، ومع استمرار هذه التغيرات يتحول الإجهاد من استجابة فسيولوجية طبيعية إلى حالة مرضية مزمنة، تعرف في الطب باسم الإجهاد المزمن أو – .Chronic Stress
وفي هذه المرحلة تبدأ الآثار بالظهور على المستوى السلوكي والنفسي، حيث قد يعاني الفرد من اضطرابات في الذاكرة والتركيز، واضطرابات النوم، وزيادة القلق والانفعال، وقد يتطور الأمر إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب واضطرابات القلق والإرهاق العصبي، وهنا يبحث الدماغ عن اي مخرج للهروب من الالم أو افكاره المزعجه التي ترهقه حتى لو عن طريق إيذاء النفس أو الاخرين في هذه المرحله يغلب الشعور بالغضب او الإستياء الشعور بالمنطق ويزداد نشاط اللوزه الدماغيه عن القشره الدماغيه المسؤوله عن المنطق .

وإذا غاب المنطق عن الإنسان فأهلا بالهلاك !!!، وكم مؤلم مايعيشه الإنسان الحديث من تحديات سريعه نظنها عابره وماهي الا حروب للجهاز العصبي المصمم على قدر معين من التحمل وله محدوديه لإستيعاب الإجهاد و وضعيه الكر والفر وبعدها مايحدث حرفيا هو اللعب في اعدادات الدماغ !!!، وما نقولها ساخرين عبارات مثل: “فلان مشطوب” أو “إعدادات مخه مش زابطة”، وهي عبارات ساخرة لكنها تصف – بشكل غير مباشر – تغيرات حقيقية قد تحدث في الدماغ تحت تأثير الإجهاد المزمن.

علميا يوجد قدره بيولوجيه لتحمل الإجهاد النفسي والعصبي لدى كل فرد وكيفيه تعامله مع هذا الإجهاد من حيث التكيف او الرفض والكبت حدده علماء الأعصاب والنفس.

ووجب عليا في هذه المقاله الحديث عن هذا المفهوم أو المؤشر الذي يقيس العلامات الحيويه والنفسيه لتشخيص حالة الإنسان وتقييمها، وهذا المؤشر هو (الحدود البيولوجيه لتحمل الإجهاد أو – Allostatic Load) الإطار العلمي الأكثر استخدامًا لوصف مقدار الضغط البيولوجي المتراكم على الجسم نتيجة التعرض المستمر للتوتر.

فعندما يستمر تنشيط محور الوطاء– النخامية – الكظرية ، لفترات طويلة ويظل إفراز الكورتيزول مرتفعًا أو مضطرب الإيقاع، تبدأ مؤشرات الإجهاد بالتراكم لتشمل تغيرات في ضغط الدم، واضطراب نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي، وانخفاض تقلب معدل ضربات القلب ، إضافة إلى ارتفاع مؤشرات الالتهاب الجهازي.

وتشير هذه التغيرات مجتمعة إلى اقتراب الجهاز العصبي من حدوده التكيفية، حيث يتحول الإجهاد تدريجيًا من استجابة فسيولوجية تكيفية إلى حالة مرضية مزمنة قد تؤثر في البنية الوظيفية للدماغ وتنظيمه العصبي.
وهكذا يتضح أن الإجهاد المزمن لا يمثل مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو عملية بيولوجية معقدة قادرة على إحداث تغييرات حقيقية في البنية العصبية للدماغ وفي وظائفه الفسيولوجية، وعلينا نحن كأفراد في هذا الزمان المليئ بالتحديات والمنافسه والأخبار السريعه والحروب والصراعات وبيئات العمل المجهده والخانقة؛ أخذ صحتنا النفسيه كأولويه والعمل على الرفاه النفسي كأولويه لا تقل أهميه عن الإنتاج والإنجاز الذي أصبح عبئا إضافيا على عاتق الإنسان المعاصر الذي يتطلب منه الكمال والمثاليه في كل شئ وتفعيل دور الرعايه النفسيه في كل جوانب الحياه كضروره ملحه لا جدال فيها، والعمل منا كعاملين في المجال الصحي تثقيف الناس والطلاب والعاملين في جميع القطاعات في اهميه الرفاه النفسي والسلامه النفسيه، وأثرها على الصحه الجسديه والجوانب الحياتيه عامه.

وبالنظر الى الحوادث اليوميه الناتجه عن ضعف الوعي العام والفردي والأسري والمؤسسي في تقديم خدمات الدعم النفسي ، فقد يستمر صراع البقاء ويغلبه الموت والإنتحار والأمراض المزمنه الناتجه عن الكبت والقهر النفسي؛ كالجلطات المفاجئه والسكري والشقيقة وحتى السراطانات والكثير من الامراض (النفسوجسديه )، والكثير من الحوادث المؤلمه التي تجعلنا نقف متألمين حائرين ومسؤولين عن دور كل فرد فينا في نشر الوعي او تقديم الدعم بطريقته الخاصه او المتاحه. وليكن كل منا رحمه للأخر فرفقا ببعضنا البعض فالكلمه الطيبه صدقه والرفق ما كان في شيئ إلا زانه .

  • McEwen BS. Stress and the Brain.
  • Sapolsky RM. Why Zebras Don’t Get Ulcers.
  • Lupien SJ. Effects of Stress on the Human Brain.

Tags

Share this post:

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore